حسن الأمين
210
مستدركات أعيان الشيعة
بالاحتجاب أو الخروج وثارت ضجة كبيرة بين الجمهور . فخرجت أسرة الشاه من المقام وذهبوا إلى منزل قيم المقام . ومن هناك تلفنوا إلى الشاه بالخبر . فأمر بإبلاغ رئيس شرطة قم أن يعتقل الواعظ والشيخ محمد تقي البافقي . ثم حضر إلى قم بنفسه ومعه جماعة من الجند . فلما ترجل من السيارة أخذ بضرب كل من لقيه من الناس بالعصا ويركلهم برجله ويشتمهم شتما قبيحا . ثم دخل حرم المقام بحذائه وأستدعى رئيس الشرطة ورجاله وطلب إحضار الشيخ البافقي والواعظ . فاما البافقي فكان قد اعتقل وأما الواعظ فأخبره رئيس الشرطة بأنه فر ولم يستطيعوا الاهتداء إليه فاشتد غضبه وأخذ يضرب رئيس الشرطة على فمه بالعصا فكسر أسنانه وأسال دمه ، ثم أمر باعتقاله . فجيء بالشيخ البافقي على وضع مهين فطرحه أرضا على وجهه وهو يشتمه شتما قبيحا ، وانهال عليه ضربا شديدا بالعصا إلى أن سكن غيظه . ثم أمر بإرساله وإرسال رئيس شرطة قم إلى طهران ووضعهما في السجن . وظل رئيس الشرطة مدة شهرين في السجن وتوسلت عائلته بوزير البلاط « تيمور طاش » فشفع له عند الشاه وأفرج عنه ولكن عزل من وظيفته . وأما الشيخ البافقي فظل مدة في السجن إلى أن توسط له الشيخ عبد الكريم الحائري فافرج عنه ولكن فرضت عليه الإقامة الجبرية في ضاحية « عبد العظيم » بالقرب من طهران ، وظل منفيا فيها إلى أن مات . مقتل الشيخ « نور الله الاصفهاني » في الثاني من شهريور سنة 1306 ه . ش . الموافق 27 صفر سنة 1346 ه . ق . نشرت الحكومة بلاغا عنيف اللهجة أمرت فيه رجال الدين باجتناب التدخل في السياسة والشؤون الحكومية وأنذرتهم بالعقاب إن لم يمتثلوا . وتلقى رجال الدين هذا البلاغ بالاستياء . وزاد في استيائهم ما تضمنه من عبارات مهينة . فتنادوا إلى الاجتماع في مدينة قم . وأجتمع منهم فيها حوالي سبعمائة عالم من مختلف الولايات . وأهم اجتماعهم « رضا شاه بهلوي » وحكومته لما كان لرجال الدين من نفوذ قوي في نفوس العامة . واتفق أن كان نشر بلاغ الحكومة واجتماع العلماء في أيام صدور قانون التجنيد الاجباري - وهو من حسنات العهد البهلوي - وقد تلقاه الناس بالحذر والخوف ، إذ كان شيئا جديدا في حياتهم وله رهبة في النفوس ، ومن ثم هبوا إلى مقاومته . وكان في أصفهان مرجع ديني كبير هو الشيخ نور الله . وكان ينتمي إلى أسرة علمية عريقة . وله ماض مجيد في حركة المطالبة بالنظام النيابي الدستوري ، إذ كان في مقدمة المطالبين به المكافحين في سبيله . وأنتخب نائبا في دورة المجلس الثانية . وانتهت إليه الرئاسة الدينية والسياسية في أصفهان ، لا يزال حاضرا لقضاء حوائج الناس ومساعدة المظلومين . فلما حضر إلى قم استجابة لدعوة العلماء أصبح له المقام الأول بين المجتمعين . وكان الشيخ « نور الله » يؤيد قانون التجنيد الاجباري ويراه ضروريا لإيران . ومثله كبار المراجع . ولكنه كان أيضا يرى ضرورة مراعاة شعور العامة وأخذهم بالرفق . فأرسل من قم برقية بهذا المعنى إلى رئيس المجلس النيابي ورئيس الوزارة . وكان الشاه وحكومته قد أخافهم اجتماع العلماء وأتباعهم في قم فأرسلوا من قبلهم رئيس الوزارة ووزير البلاط لمفاوضة العلماء في الموضوع . وحصل الاتفاق بين الطرفين على إجراء تعديل شكلي في نص قانون التجنيد يخفف من وقعه في نفوس الناس من غير أن يخالف روحه وينحرف به عن مرماه ، وإصدار بعض القرارات التي تضمن المحافظة على أحكام الشرع . وأعدت الحكومة مشروع قانون بما تم عليه الاتفاق وقدمته إلى المجلس النيابي . ولكن حدث قبل طرحه في المجلس للمناقشة أن وعك الشيخ « نور الله » ثم توفي في 1 رجب سنة 1346 ه . ق . الموافق أوائل دي سنة 1306 ه . ش . والمشهور بما يشبه الإجماع أن « رضا شاه بهلوي » أوعز إلى طبيب من أصحاب السوابق من المختصين به فسم الشيخ « نور الله » بحقنة تحت الجلد . والثابت أن الشيخ « نور الله » تردد كثيرا قبل أن يأذن لذلك الطبيب بمعالجته ، إذ كان يشك به . وأن حاكم قم حرص كثيرا على إقناع الشيخ « نور الله » بتمكينه من معالجته . والثابت أيضا أنه ظهرت عليه فور حقنه أعراض شديدة مخيفة ، حتى اضطروا إلى استدعاء طبيبين من أشهر الأطباء لينظرا في حاله . فلما حضرا هالتهما الحالة التي وجداه عليها ، فأرادا الاستفهام من الطبيب الأول عن نوع الحقنة التي حقنه بها . ولكنه كان قد اختفى . وبحث الناس عنه في كل ناحية من نواحي قم فلم يعثروا على أثر له . ولم يلبث حاكم قم أن رفع بعد وفاة الشيخ « نور الله » إلى منصب أعلى من منصبه ، وكان قتل الشيخ « نور الله » قبل قتل السيد « حسن المدرس » . وعم الحزن عليه كل إيران . وأقيمت عدة مجالس عزاء شاركت فيها كل الطبقات في طهران وأصفهان وقم . ولكن الصحف سكتت كلها لم تذكر شيئا عنه ولا عن وفاته ، وأهمل مشروع القرار بما تم عليه الاتفاق في موضوع التجنيد الاجباري فلم يعرض على المجلس النيابي . مقتل « محمد فرخي » وكان من ضحايا « رضا شاه بهلوي » الصحفي الشاعر النائب « محمد فرخي » صاحب جريدة « طوفان » ونائب يزد . وكانت المعارضة منحصرة فيه وفي النائب « محمد رضا طلوع » نائب « لاهيجان » وكان رئيس المجلس والنواب الآخرون يحولون بينهما وبين الكلام في المجلس . بل بلغ الأمر إلى أن صفع أحد النواب « محمد فرخي » صفعة أسالت دمه ، فصاح « فرخي » قائلا : إذا كنت أضرب وأنا في حصانة حرم القانون الأساسي ، فكيف بي إذا كنت في خارجة ! ثم اعتصم في المجلس لا يخرج منه ليلا ولا نهارا إلى الليلة التي تنتهي في صباحها دورة المجلس وتسقط عنه الحصانة النيابية . وفي تلك الليلة فر من إيران ولجا إلى الاتحاد السوفياتي . فبقي هناك مدة ثم سافر إلى ألمانيا . فقضى فيها بضع سنوات . ثم التقى به هناك وزير البلاط « تيمور طاش » فامنه وأقنعه بالعودة إلى إيران . فعاد إليها وأقام في طهران حرا لا يتعرض له أحد ولكنه مراقب من البوليس السري حوالي سنة ، فرضت عليه بعدها الإقامة الجبرية في إحدى ضواحي طهران . وبعد مدة قليلة أحيل إلى المحاكمة بدعوى كاذبة ، وحكم عليه بالسجن . وعذب واقتلعوا أظافره . وابتلع ، وهو في السجن ، كمية من الترياق بقصد الانتحار ، بعد أن خط على جدار السجن قصيدة شجية جميلة . وتداركوه وهو بين الموت والحياة وعولج حتى شفي . ولكن ظل مثابرا على إسماع السجناء شعره وكلامه في الدعوة إلى الثورة والتنديد بالظلم والطغيان والتغني بالحرية ونشدان الكرامة ، حتى ضاق به « رضا شاه